ملا نعيما العرفي الطالقاني
161
منهج الرشاد في معرفة المعاد
وبناء هذه الأقوال كلّها على عدم العثور والاطّلاع على كيفيّة الحركات الجوهريّة ، وكيفيّة تجدّد الصورة على المادّة وتلازمهما . وقد مرّت الإشارة إلى أنّ المادّة باستعدادها علّة مصحّحة لتشخّص الصورة ، والصورة بجوهرها العقليّ علّة موجبة لمادّة غير الأولى ، بل لبقائها . وهكذا تسلسلت الموادّ بالصور والصور بالموادّ ، فالجامع في كلّ حين غير الحافظ ، لأنّ الأوّل معدّ ومحرّك بحسب تحرّكه ، والثاني موجب ممسك حسب ثباته وبقائه ، وهكذا في كلّ صورة طبيعية أو نفسانيّة ، إذ لها جهتان جهة حدوث وتجدّد بواسطة تعلّقه بالمادّة التي شأنها الانصرام ، وجهة بقاء ودوام لأجل تعلّقه بالواجب القيّوم ، فالمقوّم من الصورة للمادّة غير المتجدّد فيها بوجه ، وعينه بوجه ، كما نبّهناك عليه مرارا . ثمّ إنّ العلامة الطوسي بعد أن زيّف قول الشارح القديم للإشارات بأنّ تصرّف نفس المولود في المادّة التي تصرّفت فيها نفس الوالدين ، وتفويض التدبير من قوّة أو نفس بعد مدّة إلى أخرى مستحيل . لأنّ تفويض أحد الفاعلين مادّة صنعه إلى فاعل آخر ينوب عنه في تتميم فعله ، إنّما جاز في الأفاعيل غير الطبيعية بين فاعلين يفعلان بإرادة دون الطبيعية . أجاب عن أصل الإشكال بأنّ ما يقتضيه القوانين الحكميّة أنّ نفس الأبوين تفرز من موادّ الغذاء بقوّتها المولّدة مادّة مستعدّة لقبول قوّة من شأنها إعداد المادّة وتصييرها انسانا بالقوّة ، وهي صورة حافظة لمزاج المنيّ كالصورة المعدنيّة ، ثمّ المنيّ يتزايد كمالا في الرحم بحسب استعدادات يكتسبها إلى أن يصير مستعدّا لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع حفظ المادّة الأفعال النباتية ، وهكذا إلى أن يصير مستعدّا لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع جميع ما تقدّم الأفعال الحيوانيّة ، فيتمّ البدن ويتكامل إلى أن يستعدّ لقبول نفس ناطقة يصدر عنها مع ما تقدّم النطق وتبقى مدبّرة إلى أن يحلّ الأجل . « 1 » وقال : فبيّن أنّ الجامع للأجزاء الغذائية الواقعة في الجنين هو نفس الأبوين ، وهو غير حافظها ، والجامع للأجزاء المنضافة إلى أن يتمّ البدن وإلى آخر العمر والحافظ للمزاج هو نفس المولود . فقول الشيخ : « إنّهما واحد » بهذا الاعتبار ، وقوله : « انّ الجامع غير الحافظ » بالاعتبار الأوّل .
--> ( 1 ) - شرح الإشارات 2 : 304 - 305 .